الحكيم الترمذي
85
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فإذا وقع على أثر طري مخالبه في ذلك المرج ، هاجت منه وحشة تحول بينه وبين التخطّي يمينا وشمالا ، ولكنه يعود إلى الطريق العامة المسلوكة ، فإذا عاود الطريق أمن ، رجعت تلك الخشية لعلمه بأنه لا يخرج إلى الطريق العام إلا القليل ، وأنه أكثر ما يكون في موطنه المعلوم ، وقلّ ما يخرج إلى الطريق فإذا خرج إلى الطريق قلّ ما يؤذى إلا أن يتعرّض له في هذا ، لما رأى أثره الطري ، هاجت الخشية منه ، فترك الجولان هناك ، وعاود الطريق ، فلزمه سلوكا ، واطمأنت نفسه بتلك السبيل فاستقبله الأسد ، ووقف له مترصّدا ، فقد جاءت المشاهدة . فهذا الخوف كائن هاهنا ؛ لأنه وقف على طريقه ، فمثل صاحب الخشية كمن رأى مخالب الأسد ، ولقيه واقفا على الطريق ، وهو قوله - تعالى - : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) [ الفجر : 14 ] . مسألة : [ في تعلق الروح بالجسد ] قال أبو عبد اللّه رحمه اللّه : وجدت الروح ملتقيا منفشا في جميع الجسد من القرن إلى الظفر ، فإن أصابت الجسد علة من وجع وتغير وانتقاص ، اشتغل الروح بذلك ؛ لأنه ضاق عليه ذلك المكان ؛ لأنه منفش في جميع الجسد ، فإذا نكب الجسد في موضع ظاهرا كان أو باطنا على الروح تمكّن من ذلك المكان ، فاشتغل ، فإذا وجدت النفس ألم تلك النكبة شغلت النفس القلب ، فالقلب والروح يدعوان إلى الطاعة ، والنفس تدعو إلى الشهوات ، فإن اشتغل الروح والقلب عن النظر إلى العقل ماذا يومئ ؟ وإلى أين يسير ؟ وعلى أي شيء يدل ؟ وماذا يزين ويبصر ويعرف ؟ . بقي العقل معطلا ، فيحتاج العبد إلى الحب ، فإن للحب حلاوة ، وللحلاوة فرح ، فإذا خلص إلى القلب والروح هذا الشغل يخلص من ذلك الشغل بحلاوة الفرح ، فبالفرح ينبسط له القلب ويتقوّى وينبعث ويتنشّط ، وبالفرح يضعف ويذبل وينقبض ، وبالحلاوة تذهب مرارة الألم من النفس ، والعبد مخرجه من معرفة العبد ربه وعلمه به ، وإذا علمه وعرفه استنار العلم بما في قلبه من الحب له ، وذلك حب الإيمان حتى يأتيه المدد من اللّه من حبّه الذي أعدّه لأوليائه وأحبابه ، فيمدّ ذلك الحب من حبّه حتى يتصل به ، فإذا نكب العبد نكبة ، فتخلص إليه ألمها وشغله ، فرجع إلى معرفته ، فعلم أن ذلك كان في علمه السابق ومشيئته التي سبقت خلقه ، فإن هذا العلم في هيجه وألمه لا يجد شيئا ؛ لأن معرفته بعلمه ومشيئته هي معرفة تؤدّي إلى العظمة ، والعظمة تقهر ،